رحمة بين الحقيقة والشك.. عندما تهزمنا أفكارنا قبل أن تبدأ القصة

في بعض الأحيان لا تكون المشكلة في الأشخاص الذين يدخلون حياتنا، بل في الأصوات التي تدور داخل عقولنا. أصوات الشك والخوف وعدم الثقة بالنفس التي تجعلنا نرى الأمور بشكل مختلف تمامًا عن حقيقتها. وهذه كانت حكاية رحمة.

رحمة كانت فتاة عادية مثل أي بنت في عمرها، تحلم بالحب والاستقرار، وتتمنى أن تجد شخصًا يراها مميزة كما هي. لم تكن تبحث عن قصة خيالية أو أمير على حصان أبيض، لكنها كانت تتمنى فقط أن تشعر بأنها مهمة في نظر أحد.

في البداية كان كل شيء يبدو طبيعيًا وجميلًا. تعرفت على شاب بدأ يتحدث معها بطريقة محترمة ولطيفة. كان يهتم بتفاصيل يومها، يسأل عنها باستمرار، ويجعلها تشعر بأنها محط اهتمام حقيقي. ومع مرور الأيام بدأت رحمة تشعر بالسعادة، فهذه المشاعر الجديدة كانت تمنحها إحساسًا جميلًا لم تعشه من قبل.

كانت تستيقظ وهي تفكر في الرسائل التي ستصلها منه، وتبتسم كلما رأت اسمه يظهر على شاشة هاتفها. لم تكن قد وقعت في الحب بعد، لكنها بدأت ترى احتمالًا جميلًا لمستقبل قد يحمل لها الكثير من السعادة.

لكن الأمور لم تستمر بهذه البساطة.

في إحدى المرات أخبرت رحمة صديقتها المقربة بما يحدث. كانت تتوقع منها الدعم والتشجيع، لكنها فوجئت برد مختلف تمامًا.

قالت لها صديقتها:
"إنتِ متأكدة إنه معجب بيكي فعلًا؟"

ضحكت رحمة في البداية وقالت:
"طبعًا، تصرفاته كلها بتقول كده."

لكن صديقتها أكملت:
"ممكن يكون مجرد شخص لطيف مع الكل. متعيشيش نفسك في أوهام."

كانت مجرد جملة عابرة بالنسبة لصديقتها، لكنها بالنسبة لرحمة كانت بداية العاصفة.

في تلك الليلة جلست وحدها تفكر.

ماذا لو كانت صديقتها على حق؟

ماذا لو كان كل ما تراه مجرد مجاملات عادية؟

ماذا لو كان يتعامل معها بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع أي فتاة أخرى؟

بدأت الأسئلة تتسلل إلى عقلها واحدًا تلو الآخر.

"هو ممكن يكون بيجاملني بس؟"

"هو فعلًا شايفني مميزة؟"

"ولا أنا اللي بفهم الأمور بشكل أكبر من حقيقتها؟"

بعد أول مكالمة بينهما كان من المفترض أن تشعر بالسعادة، لكنه بدلًا من ذلك أصبحت تحلل كل كلمة قالها.

إذا ضحك أثناء الحديث، بدأت تتساءل هل يضحك لأنه سعيد بالكلام معها أم لأنه شخص اجتماعي بطبعه؟

إذا تأخر في الرد دقائق قليلة، بدأت تفكر هل فقد اهتمامه أم أنه مشغول فقط؟

إذا أرسل رسالة قصيرة، اعتبرت ذلك دليلًا على أنه لم يعد مهتمًا كما كان.

كل شيء أصبح يحمل عشرات المعاني داخل رأسها.

ومع الوقت بدأت ثقتها بنفسها تهتز.

لم تعد المشكلة في الشاب نفسه، بل في الصورة التي تحملها عن نفسها.

كانت تنظر إلى المرآة وتتساءل:

"هل فعلًا ممكن حد يحبني بالشكل ده؟"

"هل أنا جميلة كفاية؟"

"هل أستحق الاهتمام اللي بيظهره؟"

تحولت القصة من إعجاب بسيط إلى معركة داخلية بين قلب يريد أن يصدق، وعقل يخاف من الخذلان.

وكلما حاول الشاب الاقتراب أكثر، كانت رحمة تبتعد خطوة للخلف.

ليس لأنها لا تريده، بل لأنها كانت تخاف أن تصدقه.

الخوف من خيبة الأمل جعلها تبحث عن أي دليل يثبت شكوكها، وتتجاهل كل الأدلة التي تثبت العكس.

ومع مرور الأيام أصبحت متعبة من التفكير.

كانت تشعر أنها تدور في دائرة لا تنتهي.

إذا اقترب منها شكّت في نواياه.

وإذا ابتعد عنها خافت أن يكون قد فقد اهتمامه.

وفي كلتا الحالتين كانت هي الخاسرة.

في إحدى الليالي جلست رحمة تفكر في كل ما حدث منذ البداية.

اكتشفت شيئًا مهمًا جدًا.

الشاب لم يتغير كثيرًا.

الذي تغير فعلًا هو نظرتها لنفسها.

في البداية كانت تستقبل الاهتمام ببساطة، أما بعد كلام الآخرين أصبحت تنظر إلى كل شيء من خلال عدسة الشك.

أدركت أن الكثير من الفرص الجميلة تضيع ليس لأن الناس سيئون، بل لأننا أحيانًا لا نصدق أننا نستحق الأشياء الجميلة.

ومن هنا بدأت رحمة رحلة مختلفة.

رحلة بناء الثقة بنفسها.

رحلة تعلمت فيها أن رأي الآخرين ليس دائمًا حقيقة، وأن كلام الناس قد يكون انعكاسًا لتجاربهم هم وليس للواقع.

وتعلمت أيضًا أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى تحليل كل كلمة وكل تصرف، بل يحتاج إلى قدر من الثقة والهدوء.

لكن رغم كل ذلك بقي سؤال واحد معلقًا في ذهنها حتى النهاية:

هل كان ذلك الشاب يحبها فعلًا؟

أم أن الخوف والشك منعاها من رؤية الحقيقة؟

ربما لن يعرف أحد الإجابة بشكل مؤكد.

لكن المؤكد أن أكبر معارك الإنسان أحيانًا لا تكون مع الآخرين، بل مع الأفكار التي تدور داخل رأسه.

فكم من قصة جميلة انتهت قبل أن تبدأ، فقط لأن الشك كان أعلى صوتًا من الثقة؟

تعليقات